2017.06.26

الرئيسية /

" انت متهم بالتخابر مع العدو في زمن الحرب "


2017-02-15 14:43:49


عوض عبدالفتاح


في ذلك اليوم، ساد صفوفنا ذهول شديد،  وشعور عميق بالخطر على وجود مشروع وطني جديد  كان قد تجاوز كلياً حرب البقاءوضرب جذوره عميقا في الارض . ازداد  هذا القلق والتخوف من المصير، بعد أن أتمت المخابرات يومين من التحقيق المكثف معه.. كل يوم حوالي ثمان ساعات، شارك فيه طاقم  وصف بأنه الأعلى مرتبة في جهاز التحقيق المخابراتي. يذكر أن أحد أعضاء  طاقم المحققين الكبار تفاخر قبل عامين، بأنه نجح بأن يخرجه عن طوره ويفاجئه "بمعلومات جمعوها عنه من خلال التنصت على هاتفه". وجد نفسه امام تهمة التعاون مع العدو في زمن  الحرب . والمقصود  اثناء العدوان الوحشي  الذي شنته اسرائيل على لبنان عام ٢٠٠٦ للقضاء على المقاومه اللبنانيه بقيادة  حزب الله . كان هو  ونحن، جميعا في الحزب،  نتوقع تصاعد الحملات والملاحقات ضد الحزب ولكن ما كان احد يتوقع ان تلجأ اسرائيل الى اعتماد هذه التهمه الامنيه في محاوله لضرب حزب وطني دخل بعد نقاش داخلي ، وتردد كبير ، الى اللعبه البرلمانيه،  في الكنيست . اي ضرب  حزب مسجل قانونيا في سجل الأحزاب الاسرائيليه . أدركنا حينها،  اكثر من اي وقت مضى،  كم كان هذا الحزب ، برؤيته الوطنيه السياسيه وبدوره الشعبي ، فاعلا في عملية تجديد مستوى الوعي السياسي في اوساط جماهيرنا الفلسطينيه داخل الخط الأخضر ، ودفعها الى المزيد من الانخراط في تشكيل حاضرها ومستقبلها وفِي توطيد علاقتها مع شعبها الفلسطيني وأمتها العربيه .

        كنّا ، على مدار السنوات السابقه ، نعيش يوميا الحملات التحريضيه المتواصلة والمتجددة  ضده ،  وضد الحزب ، بدأت وتصاعدت بعد ان تبلور كتنظيم حزبي جديد مع رؤيه واضحه متصادمه مع الأساس الأيدلوجي الذي قام عليه الكيان الاسرائيلي  . وكان ذلك عام  ١٩٩٩ ، اي بعد ثلاثة أعوام من  انطلاقه . منذ انطلاق الحزب  ودخوله العمل البرلماني ١٩٩٥ - ١٩٩٦  بالتحالف مع الجبهه  الديمقراطية للسلام والمساواه برز في  أدائه  ، سياسيا وفكريا وبرلمانيا،  و شعر به الاسرائيليون بقوه، شعور مخلوط بالإعجاب والكراهيه الشديده   .لانه  عبر ببلاغة قويه وبوضوح غير مسبوق ،  عن التناقضات الكامنة في بنية اسرائيل ، وعن مصدر  الظلم الفاحش االناجم عن ذلك ضد المواطنين العرب ، فلسطينيي ال٤٨ ، وعموم الشعب  الفلسطيني .   

              الحديث هنا،  يدور عن المفكر الفلسطيني والعربي  عزمي بشاره ، االرئيس السابق لحزب التجمع الوطني الديمقراطي. بعد أسابيع يكون قد مرّ عشر سنوات على إقدام المؤسسة الإسرائيلية الأمنية المدعومة بالجهاز السياسي بتوجيه تهمة إلى   بشارة بالتخابر مع العدو (مع حزب الله) أثناء الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل على لبنان بهدف القضاء على المقاومة اللبنانية. وحسب القانون الإسرائيلي فإن تهمة من هذا النوع عقابها السجن المؤبد، بل تصل إلى حكم الإعدام (مع أن إسرائيل نادراً ما تنفذ هذه العقوبة).

               أثارت قضية التحقيق والتهمة الكبيرة الموجهة إلى بشارة، والتي انتهت بالمنفى الاختياري، ضجة كبيره  و جدلاً واسعاً سواء في مؤسسات الدولة العبرية او في  المجتمع الإسرائيلي . كما سببت صدمة بين فلسطينيي ألـ48 وأحزابهم السياسية ونخبهم. وتنوعت آنذاك ردود الفعل وتفاوت التعامل مع القضيه . كان المجتمع الإسرائيلي بما فيه نخبه ومنها  المصنفة نفسها كلبراليهقد وصلت كراهيتهم لعزمي بشارة إلى أقصى مستوى بسبب الخط الصدامي الذي أخطته ضد مبنى الدولة اليهودية وأيدلوجيتها الصهيونية المناقضة لفكرة الديمقراطية التي تتبناها إسرائيل رسمياً، وبحجة ان  ميوله القوميه باتت اكثر تطرفا وأقل ديمقراطية . أما فيما يتعلق بردود بعض قيادات الأحزاب السياسية، وبعض الأوساط في المجتمع العربي فقد كانت في المرحلة الأولى حذرة، ومترددة إزاء الموقف المطلوب اتخاذه.البعض كان متخوفاً من أن تكون التهمة صحيحة، وخشي أن يكون لذلك تبعات سياسية ومعنوية سلبية. وجزء آخر كان لديه حساسية من شخصية عزمي بشارة ليس بسبب لغته الحادة ونزعته النقديه  الصارمة  ، بل في الأساس بسبب ما مثله من تحدي حقيقي لمنظومة التفكير السياسيه وطريقة العمل البرلماني  التي كانت سائدة آنذاك في اوساط  الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.

 وبعد مرور عشر سنوات، كبرت أجيال يدفعها الفضول لمعرفة خلفيات و حيثيات هذا  الحدث والشخصية التي كان لها اثر كبير في المجتمع الفلسطيني، سياسيا وفكريا وثقافيا . وهي اجيال فتحت عيونها  على واقع من القهر والنهب وانسداد الأفق ، اجيال تبحث عن  المعنى وعن الحقيقه ، اجيال منفتحة وغير ملوثة بحساسيات حزبيه ، او متشنجه ، تريد  ان تعرف عن كل شيئ عن تاريخ نضال فلسطينيي ال٤٨ ورموزهم ،وعن المحطات إلهامه التي مرت بها . ويستطيع الكثير من أبناء وبنات الجيل الفلسطيني  الجديد غربلة المعلومات بروح نقديه راقيه.  وعزمي بشاره اسم بات يسمعونه   ويسمعون عنه الكثير كلما توغلوا اكثر في الواقع السياسي وتصادموا مع واقع  القهر . و لا ينفك العديد من هذه الاجيال الشابه  يسال ويرغب في الحصول  على  المعلومات ، وليس عن الاّراء فقط ،  خاصة في خضم الفوضى التي تعيشها المنطقة العربية، وفي خضم الانقسامات الكارثية في المنطقه  وفِي ظل  الصراعات الحزبية الشديدة التي سادت  الخريطه الحزبيه العربيه  داخل الخط الأخضر لفترت طويله  . وهذه الصراعات لم  تتراجع حدتها الا مؤخرا ،وبالتحديد  بعد  تشكيل القائمة المشتركة لانتخابات الكنيست لعام 2015. والحقيقة ان طرح  الاسئله عن هذا الحدث لا يتوقف  من قبل   العديد من أبناء وبنات الجيل الجديد، المهتم والمتابع للشأن العام والمهتم في الحقيقة وفي الحصول على  المعرفة التي تساعده  في تكوين رؤيته للحياة ولنهضة المجتمع وتحرره. تدرك اوساط واسعه منهم  ان شخصية  عزمي بشارة، الفكرية والسياسية ودوره القيادي البارز آنذاك  ، وما خطط ضده أوائل عام 2007، ليس أمراً شخصياً، بل أمر وطني عام، ويضعونه في سياق الصراع الضاري المستمر ضد الشعب الفلسطيني وقواه الوطنيه ورموزه

        كان لعزمي بشاره الدورالمحوري  في بلورة الرؤية الوطنية الديمقراطية لحزب سياسي تحول خلال فترة قصيرة إلى حزب مركزي يقض مضاجع المؤسسة الإسرائيلية، ويلهب قطاعات شعبية واسعة من أبناء شعبنا، في ظرف كان التراجع والضعف، وسقوط المشاريع الكبرى قد بلغ مرحله خطيره  (الاتحاد السوفيتي وتحرير فلسطين، وعودة مظاهر الاسرله داخل الخط الأخضر وانعكاسه علينا ايضا كجزء من الشعب الفلسطيني  ) . وتحول عزمي بشارة، بفضل فكره وجرأته ، وبلاغته، وقيادته لحزب وطني صاعد، إلى متحدث شبه دائم في الفضائيات العربية، مما ساهم بشكل كبير في تعريف النخب في الوطن العربي على واقع فلسطينيي ألـ48 وعلى  الطاقة التحررية التي يختزنها هذا الجزء المنسي من شعب فلسطين. ليس المقصود أن بشارة هو وحده  الذي كشف واقع فلسطينيي ألـ48، للخارج. فقد كان في الداخل دائماً قوى سياسية، علمانية أو دينية، نشيطة وفاعلةورموز وطنيه معروفه ، نتفق  معها ونختلف معها ، وتتفق معنا وتختلف  معنا ايضا وهذا الأحزاب ورموزها كلها جزء عضوي من الارث النضالي لهذا الجزء من شعبنا  . إنما في الدور الفكري والسياسي والثقافي  الذي لعبه بشاره في توسيع  دائرة الوعي العربي بهذا الوجود الفلسطيني داخل "إسرائيل 48"، عبر مدخلين جديدين  أولاً: إعادة فتح الصراع مع الصهيونية من خلال تحدي يهودية الدولة الإسرائيلية، بعد أن كان أغلقه اتفاق أوسلو عبر الاعتراف الرسمي والعملي بإسرائيل ، وثانياً: على أساس تطوير  العلاقة مع الوطن العربيبين فلسطينيي ال ٤٨ باعتبار اننا جزء من الامه العربيه ، تاريخيا حضاريا وثقافيا وسياسيا ولسنا جسرا للسلام .ايضا على أساس  وحدة الوطن العربي وربطها بالديمقراطية كشرط لإحياء وإنجاح  فكرة القومية العربية وألنهضه العربيه المعطلة . وقد طور بشارة، في إطار المساهمة الفكرية في مسالة الوحده العربيه،  فكرة ربط القومية بالديمقراطية، وهي أضافه  نوعية الى إلمساهمات  الهامة التي كان عشرات المفكرين العرب البارزين  قد قدموها. ولا تجد  عزمي بشاره يهمل اي اسم من اسماء المفكرين العرب في أبحاثه  . وكان لافتا للخارج ، خاصة للوطن العربي   أن قائدا  فلسطينيا  ومن داخل "إسرائيل" يقدم هذه المساهمة المتميزة وباعتراف العديد من المفكرين العرب.. والذين كتبوا عنه وتناولوا كتابته الفكرية بالتحليل والنقد( كتاب : مقدمات في دراسة المجتمع المدني في التسعينات ، والذي توقع فيه ان اول ثوره عربيه متوقعه قد تنطلق من تونس) . وايضا كان لافتا ان هذا المشروع الثقافي السياسي الجديد ينطلق من بين الفلسطينيين   داخل تجمع فلسطين (1948)، الذي كان  اتفاق أوسلو قد كرسه شانا داخليا إسرائيليا عازلا إياه عن  المشروع الوطني الفلسطيني، مع ما يترتب على ذلك من تشجيع الفلسطينيين حاملي المواطنة الإسرائيلية على الغرق في الاسرلهووهم  تحقيق المساواة إذا ما تخلوا  عن كل ما يربطهم بالهوية الوطنية، وبالقضية الفلسطينية. وما ميّز عزمي بشارة أنه جمع بين العمل السياسي  والباحث، مما أغنى الساحة الفكرية بإنتاجات نوعية صدرت في كتب ودراسات عديدة وأغنى التجربه السياسيه والكفاحي لفلسطينيي ال ٤٨ . وكان لافتاً قدرته على الجمع بين عمله البرلماني (الكنيست) والتنظير (الكتابة والخطابة) والعمل التنظيمي (الحزبي) والظهور في الإعلام.ولم تكن السنوات الاولى لهذا المشروع بدون صراعات مع الأحزاب الاخرى ، بل تعرض عزمي بشاره والتجمع لهجمات شديده من قبل بعض الأحزاب العربيه  . وبطبيعة الحال لم نقف مكتوفي الايدي ازاء هذه الهجمات وواصلنا المسيره بقوه وبخطوات واثقه ، دون ان نهمل داخليا عملية المراجعه والنقد الذاتي . وهذا امر طبيعي عندما تقتحم الساحه السياسيه قوة تغيير حقيقيه ، تسعى الى تحدي نمط التفكير السائد .

 

 

 

خلفية الفبركة الأمنية

" لم أعد أطيق بقائي في الكنيست "

 لم يأتي استدعاء  عزمي بشارة إلى التحقيق في 23 آذار من عام 2007، وهو عضو كنيست مع حصانة برلمانية، معزولا عن سياق طويل من التحريض، والملاحقة، والمحاكمات كما ذكرنا أعلاه .

         منذ عام ١٩٩٦ حتى عام ٢٠٠٣ كان بشاره  العضو الوحيد في الكنيست عن التجمع. ولذلك هو كان هدفا مباشرا للهجمات من قبل الأحزاب الاسرائيليه والإعلام الاسرائيلي . واتسعت الحملات  وازدادت حدتها بعد أن تطور الحزب أفقيا وعموديا، وازداد عدد أعضاء  ممثليه في الكنيست من واحد الى ثلاثه ،   وتحددت أكثر وأكثر رؤيته السياسية والأهم ممارسته السياسية. وقد اجتهد  وأبدع في التعبير عن هذه الرؤية من خلال خطاباته النارية و العميقة في الكنيست وفِي المهرجانات الشعبيه، أو من خلال أدائه الإعلامي  المدموج بالبعد الديمقراطي الذي كان يُربك الخصم . كما كان الحزب بكوادره وأعضائه وانصاره في قلب كل معركه شعبيه . وفي اطار حملة التحريض على الحزب وعلى دوره ، أصدرت المخابرات الاسرائيليه  بيانا في الأيام الأولي للانتفاضة الثانيه عام ٢٠٠٠ محملة الحزب المسئوليه  عن التحريض على المظاهرات والمواجهات الشعبيه العنيفه  التي اندلعت داخل مدن وقرى الجليل والمثلث والنقب والساحل . وجاء في البيان ان قيادات ونشطاء التجمع شوهدوا في مقدمة معظم هذا المظاهرات والمواجهات . صحيح ان قيادات التجمع ونشطاءه كانوا بين الجماهير وهذا امر نفتخر به لان هذا هو الدور الطبيعي للقوى الوطنيه الحقيقيه    ، ولكن المواجهات كانت عفويه ردا على المجازر التي كانت ترتكبها اسرائيل ضد أبناء شعبنا في القدس الضفه. الغربيه وقطاع غزه .

 أما البعد الثاني في برنامج التجمع، الذي قضّ مضاجع المؤسسة الإسرائيلية هو استثمار عزمي بشاره للحصانة البرلمانية في تطوير نوع مختلف من  العلاقة مع الوطن العربي بحيث تتم الزيارات بدون إذن من المؤسسة الإسرائيلية. فالقانون كان  يسمح لعضو الكنيست في إسرائيل بزيارة دولة عدو.

 وبخصوص البعد الأول اي تحدي  يهودية الدولة، فقد كانت المؤسسة وأذرعها قد بدأت بالتعبير عن نفاذ صبرها إزائه. وفي هذا الشأن كتب رئيس جهاز السابق عامي أيلون، في كتابه بعد أشهر من انتهاء فترة إشغاله المنصب، عام 2001، "إن عزمي بشارة والتجمع تجاوزا الخط الأحمر. هما لا يعترفان بحق اليهود في دولة خاصة بهم . وهذا يناقض شرط التمثيل في الكنيست ولذلك يجب تقديمهما للمحكمه".

في هذه الأثناء، كانت الكراهية من قبل أعضاء الكنيست، والنخب، والأعلام قد بدأت بالتصاعد وبصوره جنونيه ضد عزمي بشارة لدرجة أنه في السنوات الأخيره   بات معزولاً داخل الكنيست. وبدأ يُعبر عن ذلك بصورة متكررة، ومعبراً عن شعوره بأنه لم يعد يُطيق بقاءه  هناك وبات يكرر في الجلسات الخاصة أني أكرههم . ويذكر الصديق المناهض الصهيونيه  أمنون راز المحاضر في جامعة السبع ان  عزمي كان مصدوما إنه حتى بعض معارفه او زملائه  من الباحثين والأكاديميين الاسرائليين الذين كانوا  يعرفون أنفسهم كلبراليين باتوا  أشد عداء لفكره وله شخصيا، بعد تأسيس التجمع .  ويعزو راز هذا العداء الى كون بشاره  كشف حقيقتهم وزيف لبراليتهم  وهم الذين كانوا يعلنون انهم  يؤيدون إقامة  دوله للفلسطينيين .

 .وخلال العام الذي سبق المنفى ، كان قد طلب اكثر من مره  من المكتب السياسي إعفائه من عضوية الكنيست وان يحل محله عضو  اخر . و أنا اقتطف من  البرتوكول ما قاله بهذا الصدد  :" أنا لم أعد أطيقهم ، وهم اشتد عداؤهم ضدي ، لم يعد ما لدي ما أضيفه في الكنيست ، استنفذت نفسي ، فهذه الساحه بالتالي  محدوده ، أنا ارى ان هناك فائده حزبيه  في ان   استقيل واساهم  اكثر مع الكوادر التنظيمية  في العمل التنظيمي والشعبي ، علينا ان نضع جهدا اكبر في بناء الحزب وتحسين تنظيمه . كما  أني احتاج للتفرغ اكثر للكتابه . كان دوري البرلماني مهم لتعريف الناس بالحزب ، وبنشر أفكاره ، وهذا كان يشكل ربما ٨٠./. من عملية بناء الحزب . ولكن الان،  تحتاج تقوية الحزب الى هذه النسبه من العمل ولكن في التنظيم   وليس في الكنيست "

. كرر المكتب السياسي  رفضه  لطلبه . انا شخصيا ، كان لي  ولا زال تقدير كبير لموقفه ، بل كنت إميل بشده  لموقفه ، لأن دخول الحزب الى الكنيست كان في الأساس المساهمه في اعادة بناء التيار القومي في الداخل ، وتطوير النضال الشعبي وبناء المؤسسات الوطنيه، من خلال مخاطبة الناس من هذا المنبر . وان تبقى مسالة الانسحاب من الكنيست وعدم المشاركه في انتخاباتها مطروحة على الطاوله .

          وعوده الى  الموقف من الدوله اليهوديه ، ففي  محاكمته عام 2003 عندما استأنفنا، كحزب، ضد  قرار لجنة الكنيست الذي قضى بمنعنا من خوضنا   انتخابات الكنيست، فقد قالت ممثلة النيابة (الدولة) تاليا ساسون في إطار مرافعتها ضد الحزب وضد عزمي بشارة، "إن الأمر الخطير في هذا الحزب هو مطالبته بالمساواة الكاملة، مما يعني انتهاء الدوله اليهوديه ".. وهذا يعني في نظر الدولة عدم الاعتراف بحق تقرير المصير لليهود بأن يكون لهم دولة.( لاحقا عبرت، بصوره غير رسميه ، عن ندمها  لقول ذلك ) .

 طبعاً الحزب لا يُخفي برنامجه وفكره الذي يطالب بالمساواة الكاملة على أنقاض الصهيونيه العنصريه ( وهو في الحقيقه بوصله تحدي وشحن  في الأساس وليس مطلب  ) وحدد الحزب دوره في التصدي سياسياً وفكرياً وإعلامياً لنزع الشرعية عن المبنى العنصري لدولة إسرائيل، بطرق سياسية وفي إطار اللعبة السياسية القائمة. ومن خلال ذلك ، وبموازاة ذلك ايضا يجري اعادة بناء  الحركه الوطنيه داخل الخط الأخضر .

 اما بخصوص البعد الثاني، وهو البعد القومي العربي في برنامج التجمع،  فقد  تُرجم آنذاك في نشاطين هامين. الأول هو في تعزيز علاقة الحزب، والمواطنين العرب ،  بالوطن العربي، ومع نخبه وأحزابه القوميه والديمقراطيه ، والتماثل مع حق الامه العربيه في الدفاع عن نفسها ضد المحتل الاسرائيلي . وان التواصل  مع هذه النخب ومع الشعوب العربيه   لم يكن ليتم الا  من خلال العلاقة مع الأنظمة العربية القائمة بغض النظر عن طبيعتها ، مع ما يحمل ذلك من دفع ثمن . وقد جرت عدة حوادث او نشاطات شكلت ماده للتحريض المحموم ضد بشاره :

.  الحادثة الاولى ، أن اضطرت إسرائيل للهروب من لبنان عام 2000 تحت ضربات المقاومة اللبنانية، أشاد عزمي بشارة بهذا النصر في مهرجان نظمه حزب التجمع وقال فيه  "لأول مرة نذوق طعم النصر كعرب".

 والحادثة الثانية، عندما عبر عن رأيه  أثناء كلمته في بلدة القرداحه ، بعد وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد في صيف عام 2000 بان  "بين الاستسلام والحرب الشاملة، هناك خيار  المقاومة".ونذكر الحمله السياسيه والإعلامية غير المسبوقة التي انطلقت ضده قبل ان يعود من سوريا الى البلاد .

 وقدّم إلى المحاكمة على خلفية هذه التصريحات واستمرت الجلسات لعدة سنوات، أثبت فيها الدفاع أن ذلك يندرج ضمن حق التعبير وضمن حق وواجب عضو الكنيست.

 أما الحادثة الثالثة، فكانت تنظيم لقاءات بين الفلسطينيين من داخل الخط الأخضر لأقاربهم  اللاجئين في سوريا. وطوّر الدكتور عزمي بشارة هذه اللقاءات لتشمل أبناء الطائفة العربية الدرزية المفروض عليها التجنيد الإجباري الذي اعتمدته إسرائيل كجزء من استراتيجية السيطرة على الأقلية الفلسطينية وذلك من خلال سياسة فرّق تَسُد. و كان لبشارة هدفين : الأول إنساني؛تمكين أبناء الطائفة المعروفية الفلسطينية لزيارة أقاربهم.  والهدف الثاني ؛  سياسي- وطني أي احداث تمرّد داخل هذه الطائفة العربية الفلسطينية ضد سياسات إسرائيل الاستعمارية والعمل على تخليصها من جريمة التجنيد الإجباري.

 وكان هذا ناقوس خطر بالنسبة لإسرائيل. فبدأت بالمحاكمات لعدد كبير من الذين شاركوا في الزيارات وكذلك الذين ساعدوا الدكتور عزمي في تنظيم الزيارات وجرى اعتقال عدد منهم . لا شك كان لهذه الزيارات أثر كبير في أوساط واسعة داخل الطائفة الدرزية، من حيث اتساع اليقظة الوطنية، الأمر الذي عزز مكانة القوة الوطنية المعروفية التي كانت فاعلة منذ عشرات السنين ضد التجنيد الإجباري ولكنها كانت محاصرة من قبل المؤسسة الإسرائيلية وأعوانها داخل الطائفة.

 وكان آخر نشاط قومي قام به الدكتور عزمي هو زيارة الضاحية الجنوبية بعد العدوان الإسرائيلي الوحشي على لبنان مستهدفاً المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله أواخر عام ٢٠٠٦.

قبل هذا النشاط كانت إسرائيل، وبعد أن تيقظت للدور الوطني الجديد الذي كان يقوم به بشارة في الوطن العربي، قد بدأت بالتحضير  لسن قانون يمنع أعضاء الكنيست الإسرائيليين من زيارة دول "عدو"وسمي القانون بقانون عزمي بشارة لأنه كان موجهاً في الأساس إلى بشارة نفسه، وبهدف وضع حدّ للاستفادة  من الحصانة البرلمانية. وسنت الكنيست القانون  لاحقا ، وأطلق عليه قانون عزمي بشاره .

 لم يتراجع بشارة عن مواقفه، ولا التجمع الوطني الديمقراطي.. سواء في الموقف  من قضايا الأمة العربية القوميه والديمقراطيه ، أو قضية النضال الفلسطيني العام، أو قضية الفلسطينيين في إسرائيل ضد البُنية اليهودية والكولونيالية لهذا الكيان. ولهذا لا تنفك الملاحقات والحملات  التحريضيه والاجراءات القمعيه تتواصل وتتصاعد .

 

من الفشل في الساحة القانونية والأيدلوجية إلى المواجهة الأمنية

  لم يُجدِ مسلسل الملاحقات السياسية والتشريعية ضد عزمي بشارة وضد التجمع. فتحولت اسرائيل الى الساحه التي تمتاز فيها الا وهي الساحه الامنيه .

. واجه عزمي بشارة، من خلال الكنيست المنظومة الأيدلوجية الصهيونية والعنصرية، ومن خلال المثول في المحاكم، بمستوى عالٍ من المرافعة الأيدلوجية والسياسية والأخلاقية. وهو الذي يحمل الدكتوراه في الفلسفة والمتمرس في النشاط السياسي منذ صباه، من خلال عضويته ونشاطه في الحزب الشيوعي ( الذي تركه أواسط الثمانينات ) . فوجهت له تهمة التخابر مع حزب الله أثناء الحرب، مستغلة زياراته ولقاءاته الى سوريا ولبنان ،  واتصالاته الهاتفية العادية، ووضعها في سياق أمني خطير. تيقن  عزمي بشارة إثناء  التحقيق  بأن ملفاً أمنياً خطيراً يُحضر له.

لم ينته التحقيق معه  وطلب منه أن يعود في الأسبوع التالي لاستكمال التحقيق. لكنه أبلغهم أنه لديه برنامج في الخارج مرتب مسبقاً. وأثناء وجوده في الخارج تدارس الأمر مع أعضاء المكتب السياسي، ومع محامين قاموا بزيارته إلى الأردن، وتقرر أن لا يعود لكون احتمال نجاته من هذه التهميقارب الصفر.

 كان الهدف الاسرائيلي واضحا ؛  إنهاء دوره الوطني والفكري كلياً على المستوى الفلسطيني والعربي عبر زجه في السجن لسنوات  طويله قد تصل الى عشرين عاما   ، ومن خلال ذلك توجيه ضربة قاضية لحزب التجمع بعد أن كان نجح في تجاوز محاولات متكررة لمنعه من المشاركة في الكنيست، بهدف إسقاط شرعيته القانونية وليصبح بعد ذلك مكشوفاً كلياً أمام ضربات أجهزة الأمن القمعية.

 لقد ظن الكثيرون، كما اعتقدت الأجهزه الامنيه الاسرائيليه ،  أن حزب  التجمع ، بهذه الضربة، قارب على الاندثار بفعل الصدمة. غير  أن المؤسسة الإسرائيلية، وأيضاً العديد من الأوساط السياسية الفاعلة داخل المجتمع الفلسطيني، فوجئت بالرد السياسي والاعلامي والشعبي القوي المضاد الذي قامت به قيادة الحزب، بغياب عزمي بشارة. وتأكد الجميع أن لهذا الحزب قيادة جماعية، ومؤسسات قيادية، وهيئات دستورية، والأهم قاعدة جماهيرية عريضة مسانده تشكلت وتوطدت على مدار سنوات من العمل التنظيمي المضني والنشاط النضالي  المكثف  . وتجلت ثمار هذا البناء التنظيمي والجماهيري والنشاط النضالي في  الاجتماع الشعبي الحاشد السريع الذي بادرنا اليه  في الناصرة بعد اعلان اسرائيل عن مؤامرتها ضد عزمي بشاره . وفاقت المشاركة أضعاف الذين كانوا يشاركون اجتماعات الحزب السابقة.  تدفق الناس من كل حدب وصوب ، وبشعور عارم ، وباستعداد عال للدفاع عن هذا الحزب وما يمثله من تطلعات ،  وعن احد اهم رموزه  .

         لقد تمثل  الخط الإعلامي للتجمع في أن إسرائيل فبركت ملفاً أمنياً لعزمي بشارة بعد أن فشلت في مواجهته ومواجهة الحزب في الساحة الأيدلوجية والسياسية. وأن المستهدف الأكبر هو الفلسطينيين جميعهم داخل الخط الأخضر وأحزابهم وحركاتهم الوطنيه وليس التجمع وحده  . وقد أشار الى رد الحزب الناجح  احد صحفيي يديعوت احرونوت ، روني شاكيد الذي كتب :

ً    " لقد اتقنت قيادة حزب " بلد " اي حزب التجمع إدارة الحمله ، اذ كان  ردها هجوميا وليس دفاعيا " . وأضاف " ان قيادة" بلد" تعتبر  ما تقوم به الدوله هو مؤامره ليس ضد بشاره والتجمع أساساً بل انه استمرار لسياسة اسرائيل المعاديه للمواطنين العرب وحقوقهم  " .

                                     واجب تعريف الاجيال الجديده

 أينما ذهبت  ، سواء داخل الخط الأخضر او الضفه الغربيه ، او في الخارج ، ما زلت اجد من يريد معرفة قصة النفي الاختياري لعزمي بشاره، حتى بعد كل هذه السنين الطويلة  ، من مصدر مباشر او مقرب . وتجد هناك من يحمل معلومات ناقصه او مشوشة ، وبعضهم يعرف المساهمات الفكرية والبعض الاخر لا يعرف عنه سوى مواقف من قضايا محدده . طبعا لعزمي بشاره كما نرى على صفحته لديه مئات الآلاف من الأصدقاء وعدد كبير من المفكرين والمثقفين  من الوطن العربي .

ولذلك اجد في مناسبة مرور عشر سنوات على المؤامره والنفي ، فرصه لإعادة التعريف، ولو بالاشاره وبشكل سريع  ،  باهمية مساهماته  الفكرية والسياسيه والنهضويه ، والتي كانت ترجمتها العمليه  الاولى على ارض فلسطين ، تاركا الفرصه لآخرين للمساهمة خلال الأسابيع القادمة ليدلوا  بدلوهم ، اي عشية هذه الذكرى  .

واعتقد ان ما يهم الكثيرون من شعبنا الفلسطيني وخاصة طلائع الشباب المثقف والمتعلم الذي يحمل هم قضيته الفلسطينيه وعبئ مواجهة إفرازاتها اليوميه .  و افترض ايضا ان ما يقدمه عن قضايا النهضه والديمقراطيه التي تشغل العالم العربي منذ اكثر من مائتي عام ، وخاصة بعد الثورات العربيه المجهضه على يد أنظمة الاستبداد والتنظيمات الدينية الفاشية وقوى التدخل الخارجي ، يهم الكثيرين من نخب شعبنا  . وليس لدي ذرة شك بان لهذه الكتابات سيكون دور نوعي وعملي في المستقبل عندما يعاد تجميع قوى الثوره والتغيير واستئناف المسيره بعد المراجعه والنقد الذاتي   . نحن كشعب واقع تحت قهر نظام كولونيالي ، وكجزء من االامه العربيه ، نحتاج لكل ما يساعد الاجيال الشابه الحاليّه والقادمة في معرفة الطريق الأقصر الى الهدف، طريق النهضه والديمقراطيه والتحرر الوطني و الاجتماعي .

لقد بات معترفا منذ سنوات طويله ، في الأوساط الأكاديمية الفلسطينيه او الاسرائيليه ، ان ما قدمه عزمي بشاره ، كباحث وقائد حركه سياسيه ، من خلال اختصاصه الأكاديمي ومن خلال التجربه الجماعيه الكفاحيه  لحزب التجمع،  قدم اضافة نوعيه الى  التجربه السياسيه لفلسطينيي الداخل في مرحلة ما بعد أوسلو ،وأغناها فكريا وسياسيا وثقافيا . ان مساهماته فيما يتعلق بإدارة الصراع مع الدوله اليهوديه ، والرؤيه البديلة عن المشروع الكولونيالي العنصري المتمثله بدولة  كل مواطنيها وفصل الدين عن الدوله ونبش التناقض بين يهوديتها وديمقراطيتها  ، والحكم الذاتي الثقافي ، وتنظيم العرب على أساس قومي ، باتت جزءا من الفكر السياسي لفلسطينيي الداخل بغض النظر عن القصور عن تحويل كل ذلك  الى مشروع سياسي فعلي ، وابقاء النافذة مفتوحة نحو حل الدوله الواحده .

اعتقد ان من واجبنا ، امام الاجيال الجديده ، الناهضه ، تعريفها بالمساهمات الفكرية والسياسيه التي  تراكمت من خلال تجربة حزب التجمع والتي لعب عزمي بشاره فيها دورا محوريا حتى عام ٢٠٠٧. كما كان ، وما زال،  تعريفها بدور كل الحركات السياسيه التي صاغت تجربة فلسطيني الداخل ، بإيجابياتها وسلبياتها ، بدء من الشيوعيين العرب ، مرورا بحركة الارض ، وحركة أبناء البلد ، والحركه التقدمية ، والحركه الأسلاميه ، وحركات وطنيه محليه عديده واجبا وطنيا و حاجه وجوديه  . ولم تأتي تجربة التجمع الوطني الديمقراطي مقطوعة عن تاريخ ومنجزات  هذه الأحزاب والحركات السياسيه العربيه  ، بل انها امتداد لها وتطوير لها  في نفس الوقت .

عشية الذكرى العاشره لوجود  بشاره في المنفى، والذي لم يتوقف خلاله من الانتاج الفكري والثقافي الغزير  ، ارى انه من المهم ان يتناول الباحثون  إسهاماته الفكرية والسياسيه ، بالمراجعه، والنقد والتحليل ، لتكون  عونا للاجيال الجديده في المعركه الوطنيه التي تتجدد في مواجهة النظام الصهيوني الاستعماري ، وفِي مواجهة الحاله الاجتماعيه لشعبنا والتصدي لمعيقات النهضه والنهوض المجتمعي . وهذه الإسهامات ، جزء منها  مقالات ودراسات قصيره ، وجزء اخر في كتب والعديد من  الدراسات القصيرة عن القضيه الفلسطينيه وعلاقة فلسطينيي ال٤٨ بالحل النهائي للقضيه الفلسطينيه ودورهم في الصراع ضد الصهيونيه  . و حتى عام ٢٠٠٧ ، من بين ما صدر من كتب : المجتمع المدني ، البيان القومي الديمقراطي ،  الخطاب المبتور ، النهضه المعاقه ، ان تكون عربيا ، المساله العربيه ، والحاجز ( روايه ) . كما انه  اصدر العديد من الكتب منذ ذلك الوقت ، وأبرزها المجلدات الثلاثه عن الدين والعلمانية . فضلا عن الكتب التي عالجت الثورات العربيه ، أسباب انفجارها وأسباب انتكاسها .

لدينا اليوم، داخل الخط الأخضر ،  عشرات الباحثين  ، والمثقفين ، المنتمين والمستقلين ، فضلا عن مئات الخريجين الجامعيين ، الذين يحملون خطاب المواجهة مع يهودية الدوله وبنيتها الكولونيالية ،  وهم نتاج مرحلة العقدين الاخيرين من هذا التطور في الفكر السياس الحديث. كما لدى شعبنا الفلسطيني  في كل مكان آلاف الباحثين والمثقفين والاُدباء الذين يحملون راية التحرر الوطني والاجتماعي والثقافي على انقاض  الصهيونيه المتوحشه ، وأنقاض الأنظمة المستبده المجرمه    . ومن المنتظر  ان يكون لهم دور مهم  في مواصلة المهمه الوطنيه والانسانيه في التحرر ،  وترجمة الرؤيه السياسيه والثقافيه الملائمة لواقع  وخصوصية كل تجمع فلسطيني دون ان تصبح هذه الخصوصيات متصادمه ، بل متكاملة . وهذا ما ينتظرنا كنخب ، وكقوى سياسيه ، كلها ، بما فيها حزب التجمع .



 

 


للمزيد من مقالات

تعليقات الزوار
التعليقات المنشورة لا تعبر عن موقع الجليل وإنما تعبر عن رأي أصحابها

تعليقك على الموضوع